عبد الرحمن بن ناصر السعدي

463

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

ونجاهم إلى البر ، ونسوا ما كانوا يدعون إليه من قبل ، أشركوا به ، من لا ينفع ، ولا يضر ، ولا يعطي ، ولا يمنع ، وأعرضوا عن الإخلاص لربهم ومليكهم . وهذا من جهل الإنسان وكفره ، فإن الإنسان كفور للنعم . إلا من هدى الله ، فمن عليه بالعقل السليم ، واهتدى إلى الصراط المستقيم . فإنه يعلم ، أن الذي يكشف الشدائد ، وينجي من الأهوال ، هو الذي يستحق أن يفرد ، وتخلص له سائر الأعمال في الشدة ، والرخاء ، واليسر والعسر . وأما من خذل ، ووكل إلى عقله الضعيف ، فإنه لم يلحظ وقت الشدة إلا مصلحته الحاضرة ، وإنجاءه في تلك الحال . فلما حصلت له النجاة ، وزالت عنه المشقة ، ظن بجهله ، أنه قد أعجز الله ولم يخطر بقلبه ، شيء من العواقب الدنيوية ، فضلا عن أمور الآخرة . ولهذا ذكرهم الله بقوله : * ( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ) * أي : فهو على كل شيء قدير ، إن شاء أنزل عليكم عذابا ، من أسفل منكم بالخسف ، أو من فوقكم بالحاصب ، وهو : العذاب الذي يحصيهم ، فيصبحوا هالكين ، فلا تظنوا أن الهلاك لا يكون إلا في البحر . وإن ظننتم ذلك ، فلستم آمنين من * ( أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح ) * أي : ريحا شديدة جدا تقصف ما أتت عليه . * ( فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) * أي : تبعة ومطالبة ، فإن الله لم يظلمكم مثقال ذرة . * ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) * وهذا من كرمه عليهم وإحسانه ، الذي لا يقادر قدره ، حيث كرم بني آدم بجميع وجوه الإكرام ، فكرمهم بالعلم والعقل ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، وجعل منهم الأولياء والأصفياء ، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة . * ( وحملناهم في البر ) * على الركاب ، من الإبل ، والبغال ، والحمير ، والمراكب البرية . * ( والبحر ) * في السفن والمراكب * ( ورزقناهم من الطيبات ) * من المآكل والمشارب ، والملابس ، والمناكح . فما من طيب تتعلق به حوائجهم ، إلا وقد أكرمهم الله به ، ويسره لهم غاية التيسير . * ( وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) * بما خصهم به من المناقب ، وفضلهم به من الفضائل ، التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات . أفلا يقومون بشكر من أولى النعم ، ودفع النقم ، ولا تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم ، بل ربما استعانوا بها على معاصيه . * ( يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأول ئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان في ه ذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) * يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة ، وأنه يدعو كل أناس ، ومعهم إمامهم وهاديهم ، إلى الرشد ، وهم : الرسل ونوابهم ، فتعرض كل أمة ، ويحضرها رسولهم الذي دعاهم . وتعرض أعمالهم على الكتاب ، الذي يدعو إليه الرسول ، هل هي موافقة له أم لا ؟ فينقسمون بهذا قسمين . * ( فمن أوتي كتابه بيمينه ) * لكونه اتبع إمامه ، الهادي إلى صراط مستقيم ، واهتدى بكتابه ، فكثرت حسناته ، وقلت سيئاته * ( فأولئك يقرؤون كتابهم ) * قراءة سرور وبهجة ، على ما يرون فيها ، مما يفرحهم ويسرهم . * ( ولا يظلمون فتيلا ) * مما عملوه من الحسنات . * ( ومن كان في هذه ) * الدنيا * ( أعمى ) * عن الحق ، فلم يقبله ، ولم ينقد له بل اتبع الضلال . * ( فهو في الآخرة أعمى ) * عن سلوك طريق الجنة كما لم يسلكه في الدنيا * ( وأضل سبيلا ) * فإن الجزاء من جنس العمل ، كما تدين تدان . وفي هذه الآية دليل على أن كل أمة تدعى إلى دينها وكتابها ، هل عملت به أم لا ؟ وأنهم لا يؤاخذون بشرع نبي ، لم يؤمروا باتباعه ، وأن الله لا يعذب أحدا ، إلا بعد قيام الحجة عليه ، ومخالفته لها . وأن أهل الخير ، يعطون كتبهم بأيمانهم ويحصل لهم من الفرح والسرور ، شيء عظيم ، وأن أهل الشر بعكس ذلك ، لأنهم لا يقدرون على قراءة كتبهم ، من شدة غمهم ، وحزنهم وثبورهم .